الشيخ محمد هادي معرفة

362

تلخيص التمهيد

وذلك لأنّه لو توجّهت إرادتان مستقلّتان من إلهين مستقلّين - في الخلق والتكوين - إلى شيء واحد يريدان خلقه وتكوينه ، فهذا ممّا يجعله ممتنع الوجود ، لا متناع صدور الواحد إلّا من الواحد ، إذ الأثر الواحد لا يصدر إلّاممّا كان واحداً . ولا تتوارد العلّتان على معلول واحد أبداً . وفرض وجوده عن إرادة أحدهما - مع استوائهما في القدرة والإرادة - فرض ممتنع . لأنّه ترجيح من غير مرجّح ، بل ترجّح من غير مرجّح ، وهو مستحيل . ولو توجّهت إرادة أحدهما إلى إحداث شيء ، وأراد الآخر عدم إحداثه ! فلو تحقّقت الإرادتان كان جمعاً بين النقيضين . أو غلبت إحداهما الأخرى فهذا ينافي الكمال المطلق المفروض في الإلهين . وإلّا فهو ترجيح من غير مرجّح . ولو توجّهت إرادة أحدهما إلى إحداث نظام ومخلوق ، والآخر إلى نظام ومخلوق غيره ، إذاً لذهب كلّ إله بما خلق ولكان هناك نظامان وعالمان مختلفان في الخلق والنظام ، وهذا الاختلاف في البنية والنظام يستدعي عدم التآلف والوئام والانسجام ، وسوف يؤدّي ذلك إلى تصادم وأن يطغي أحدهما على الآخر ولعلا بعضهم فوق بعض ، الأمر الذي يقضي بالتماحق والتفاسد جميعاً . وكلّ أولئك باطل بالمشاهدة ، إذ نرى العالم قد وجد غير فاسد ، وبقي غير فاسد . ونراه بجميع أجزائه ، وعلى اختلاف عناصره وتفاوت أوضاعه - من علوّ وسفل وخير وشر - يؤدّي وظيفة جسم واحد ، تتعاون أعضاؤه مع بعضها البعض ، وكلّ عضو يؤدّي وظيفته بانتظام ، يؤدّي إلى غرض واحد وهدف واحد . وهذه الوحدة المتماسكة - غير المتنافرة - في نظام الأفعال دليل قاطع على الفاعل الواحد المنظّم لها بتدبيره الحكيم ، وهو اللَّه ربّ العالمين . وهذا هو البرهان القائم على قضايا يقينية في بديهة العقل . 2 - وقال تعالى - بصدد بيان لا نهائية فيوضه عزّت آلاؤه - : « وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ